يمن إيكو|تقرير:
كشفت مفاوضات واشنطن وطهران في منتجع بورغنستوك السويسري عن أحد الثقوب السوداء التي تلتهم عائدات الطاقة القطرية الهائلة، مثيرة تساؤلات محورية، حول جدوى توجيه مليارات الدولارات نحو أصول سياحية وسياسية خارج البيئة الاقتصادية الخليجية والعربية!
ويضم المنتجع التاريخي- الذي يقع على بحيرة لوسيرن وسط جبال الألب، والذي افتتح لأول مرة في 1873م- أكثر من 30 مبنى وفنادق فاخرة ومراكز مؤتمرات، كما يتميز بموقع جغرافي فريد تحيط به المياه من ثلاث جهات، فيما يمكن التحكم في مداخل الوصول إليه بسهولة عبر طرق محدودة ووسائل نقل خاصة.
وخلال السنوات الأخيرة، برز بورغنستوك كعنوان لعدد من أهم اللقاءات الدولية، من بينها مفاوضات وقف إطلاق النار في السودان عام 2002، ومباحثات الأمم المتحدة حول قبرص عام 2004، إضافة إلى اجتماعات مجموعة بيلدربيرغ السرية المتكررة.
كما عاد المنتجع إلى الواجهة في قمة السلام حول أوكرانيا عام 2024، ثم في الترتيبات المرتبطة باتفاقات دولية كبرى، ما عزز موقعه كـ“منصة تفاوض عالمية” لصياغة قرارات خطيرة تتعلق بمستقبل الشعوب ودولها، أكثر من كونه تجمعاً حضرياً فندقياً لاحتضان مؤتمرات واتفاقيات تتعلق بالطاقة والأمن والملاحة الدولية.
ويأتي هذا الحضور العالمي، للمنتجع بعد أن خضع لعملية تطوير واسعة على مدى 9 سنوات، ضمن مشروع استثماري بتكلفة تقارب مليار دولار، مولته قطر قبل أن تعلن شركة “كتارا للضيافة” الاستحواذ عليه وإعادة افتتاحه عام 2018، ما أعاد تقديمه كأحد أبرز المنتجعات الفاخرة في أوروبا، وتحويله إلى مساحة مغلقة تستضيف أكثر الملفات الدولية حساسية، في بيئة تجمع بين الرفاهية والأمن والسرية، ليصبح أحد أغلى مشاريع الضيافة القطرية الفاخرة في أوروبا.
ويبدو منتجع بورغنستوك السويسري- الذي جمع بين الفخامة المعمارية والوظيفة الدبلوماسية- اليوم نقطة التقاء بين المال والسياسة، تُدار من خلالها رسائل النفوذ في واحدة من أكثر البيئات الدولية حساسية، لكن مشهده الحضري يطرح سؤالاً حول عائدات هذه المشاريع: هل تُدار كاستثمارات سياحية ربحية تقليدية، أم كأدوات نفوذ سياسي تحاول قطر تقديم نفسها للعالم من قلب الصفقات الدولية على حساب الشعوب المنكوبة؟
ويُنظر إلى هذا الاستثمار الضخم بوصفه نموذجاً كاشفاً لسياسات رأسمالية خاطئة، في ظل حاجة المنطقة العربية والخليجية لإنشاء سوق موحدة تنعش شعوب ودول المنطقة، حيث توظف الدوحة عائداتها الهائلة في أصول سياحية، تتجاوز فكرة الفندق التقليدي إلى منصة سياسية ودبلوماسية عالية القيمة، وفق قراءة اقتصادية عابرة لمحطات المشروع التاريخية.
المنتجع السويسري ليس الوجهة الوحيدة للرساميل القطرية الهائلة، فالبيانات الاقتصادية الحديثة تُظهر اتساع نطاق الاستثمارات القطرية في أوروبا بقيمة إجمالية تجاوزت 110 مليارات دولار موزعة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وغيرها، مع تصدّر لندن القائمة بنحو 40 مليار جنيه إسترليني، مدفوعة أساساً بقطاع العقارات والخدمات المالية والطاقة الخضراء، وفق تقارير متخصصة ترصد حركة رؤوس الأموال الخليجية في القارة.
وتأتي فرنسا في المرتبة الثانية أوروبياً بحجم استثمارات قطرية يناهز 25 مليار يورو (28 مليار دولار أمريكي)، تتركز في باريس وخصوصاً شارع الشانزليزيه الذي يستحوذ على حصة لافتة من الأصول العقارية الفاخرة، إلى جانب قطاعات الصناعة والبناء والتجزئة، بما يعكس توجهاً طويل الأمد نحو الأصول عالية القيمة والاستقرار في العائد.
وفي المرتبة الثالثة، تبرز ألمانيا بأصول قطرية تقارب 24 مليار يورو (27 مليار دولار) أيضاً، موزعة على قطاعات السيارات والاتصالات والخدمات المصرفية والزراعة الحديثة، مع توسع استثماري متوقع في برلين ضمن خطط ضخ استثمارات إضافية تتجاوز 10 مليارات يورو خلال خمس سنوات، ما يعزز ثقل الدوحة داخل الاقتصاد الأوروبي.

