يمن ايكو
تقارير

📃 بسبب ارتهان قراراتها الاقتصادية لواشنطن.. حرائق أسعار الغذاء والطاقة تجتاح أوروبا

تقرير خاص – يمن إيكو

تظاهرات غاضبة واحتجاجات مدمِّرة في باريس، برلين، لندن ستوكهولم، روما، وعواصم أوروبية أخرى، تنديداً باستمرار فوضى الأسعار خارج قدرات الشعوب الأوروبية، التي فشلت أنظمتها في اتخاذ أي حلول يمكنها الحد من الانهيار الاقتصادي، بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية في أوروبا لأكثر من 20% خلال العام الماضي، وفق ما كشفته وثيقة المفوضية لأسعار المواد الغذائية الاستهلاكية.

ووفق الوثيقة- التي نشرت الخميس الماضي- فقد ارتفعت أسعار الخبز والحبوب في ديسمبر 2022، بنسبة 19.8%، وزادت أسعار اللحوم بنسبة 17.0%، والحليب والجبن والبيض بنسبة 27.8%، والدهون والزيوت بنسبة 32.4%، والسكر بنسبة 15.7%، وارتفعت أسعار الفاكهة بنسبة 8.1% والخضروات بنسبة 15%.

هذه الفوضى السعرية الكارثية التي أخرجت الشعوب الأوروبية إلى الشوارع، في كبريات العواصم والمدن، تعكس بكل وضوح عجز الأنظمة الأوروبية عن إدارة شؤون بلدانها بعيداً عن ارتهان قراراتها الاقتصادية لمصالح الإدارة الأمريكية التي تخوض حروباً مفتوحة في دول العالم النامي بغية السيطرة على ثرواتها.

ومن وجهة نظر اقتصادية ترى في انسياق الأنظمة الأوروبية وراء قرارات العقوبات الأمريكية والغربية على موسكو، حرباً على الشعوب الأوروبية لا على روسيا، وفي الوقت نفسه لن تخدم أوكرانيا، بل تطيل أمد الحرب بين دولتين تُعدّان مصدراً رئيساً لسد لاحتياج أوروبا من الطاقة والغذاء.

وأوضحت دراسة اقتصادية حديثة- نشرت على موقع اتحاد المصارف العربية- أن الروابط الاستثمارية والمصالح الاقتصادية المتبادلة بين أوروبا وروسيا أعمق بكثير مما يربط واشنطن بموسكو من الناحية التجارية والاستثمارية، فهناك شركات أوروبية عديدة تعمل في السوق الروسية، فعلى سبيل المثال لا الحصر تنشط في روسيا 6000 شركة ألمانية، كما قدرت الوظائف المرتبطة بعلاقات ألمانيا مع روسيا اقتصادياً بنحو 400 ألف وظيفة.

إحصائيات عام 2021م تؤكد أن روسيا خامس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، حيث سجل حجم التجارة بين روسيا والاتحاد الأوربي إجماليًّاً مقداره 257.5 مليار يورو، ما نسبته 6% من إجمالي حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي والعالم، كما أن 37.9% من واردات دول الاتحاد الأوروبي، يأتي من روسيا، وبلغ إجمالي استيرادات دول الاتحاد الأوروبي نحو 158.5 مليار يورو، منها 98.9 مليار يورو من تجارة المحروقات، و59.6 مليار يورو سلع أساسية واستهلاكية أخرى، فيما بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى روسيا 99 مليار يورو.

تلك المؤشرات الخاطفة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن روسيا سوق لا يمكن للاتحاد الأوروبي التخلي عن الاستثمار فيه بسهولة، ولهذا تركزت مطالب المتظاهرين والمحتجين في عواصم أوروبا، لأنظمتهم بإلغاء قرارات العقوبات الأمريكية على روسيا، محذرين من أن انسياق الأنظمة الأوروبية وراء قرارات واشنطن سيؤدي إلى اضطرابات سياسية واجتماعية تهدد تلك الأنظمة بالزوال.

وفيما تشارف الحرب الروسية الأوكرانية على إنهاء عامها الأول وسط تأثيرات كبيرة ألقت بظلالها على تدفق إمدادات الغذاء والطاقة إلى الدول التي انجرت وراء العقوبات على موسكو، أظهرت بيانات منظمة “الفاو” أن الحرب الروسية الأوكرانية أدت إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً بنسبة 14.3% خلال عام 2022، مقارنةً بالأعوام الماضية.

وتسبب الحرب الروسية الأوكرانية تأثيرات عميقة على سلاسل التوريد العالمية وأسعار السلع الأساسية التي فرضتها الدول الغربية، مع استمرار الحرب قرابة عام (بدأت في أواخر فبراير 2022) وصلت أسعار الغذاء والطاقة الأساسية في جميع أنحاء العالم إلى مستويات عالية، بما في ذلك تصاعد أزمة العرض والأسعار داخل الاتحاد الأوروبي.. فيما تشهد معدلات التضخم في دول الاتحاد زخماً متزايداً نتيجة للآثار السلبية للتوازنات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.

وتبعاً لذلك فقد مُنيت منطقة اليورو (مكونة من 19 دولة أوروبية) بعجزٍ تجاري بلغ 32.4 مليار يورو في أبريل، مقارنة مع عجز قدره 16.4 مليار يورو في سابقه مارس، ووفق مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي “يوروستات”، فقد تضاعف العجز التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي وروسيا- المورد الرئيسي للطاقة- بأكثر من أربعة أضعاف إلى 62.6 مليار يورو في الربع الأول، من 14.7 مليار في الفترة نفسها من عام 2021.

الأخطر في انسياق أوروبا وراء القرارات الأمريكية، وما ترتب عليه من تداعيات على اقتصاد أوروبا، يكمن في مفارقات المؤشرات السعرية بين السوق الأمريكية والأوروبية- فعلى سبيل المثال لا الحصر- تجد أسعار الغاز في الكثير من الدول الأوروبية أعلى بعشرات المرات من أسعارها في أمريكا، ومع ذلك تصر واشنطن على جر الأنظمة الأوروبية إلى التسبب في أزمات مركبة تسحق شعوب أوروبا.

هذه المفارقة ما أشار لها ضمنياً مفوض الاتحاد الأوروبي للسوق الداخلية، تيري بريتون، في تصريح له، بشأن رفضه المشاركة في اجتماعات مجلس التجارة والتكنولوجيا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع.. لكن الأهم في هذا الرفض أنه مؤشر خطير على الانقسام الواضح بين الأنظمة الأوروبية نفسها حيال القرارات الأمريكية بشأن مقاطعة المنتجات الروسية في سبيل معاقبة الأخيرة اقتصادياً.

خلاصة القول: إن أوروبا لم تعد قادرة على استعادة عوائدها فيما يتعلق بالغاز الروسي، والذي كان بمثابة محرك أساسي لاقتصاد الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن الأحداث الاحتجاجية وما يرافقها من حرائق تلتهم المنشآت والأسواق والمحال التجارية، مرشحة للتصاعد كلما أوغلت الأنظمة الأوروبية في تنفيذ العقوبات الأمريكية على روسيا، أو ظلت تلك الأنظمة منشغلة بالمساهمة الفعالة في تغذية الأزمات وإشعال الحروب الاقتصادية والسعرية في الدول النامية لخدمة أمريكا، متجاهلة شعوبها التي تختنق بأزمات الأسعار والبرد والظلام.

مواضيع ذات صلة

أترك تعليقاً