يمن إيكو|تقرير:
دخلت العلاقة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والاحتياطي الفيدرالي مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعد تهديد وزارة العدل بتوجيه اتهامات جنائية لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة مباشرة من ترامب لإحكام السيطرة على البنك المركزي، وما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية عميقة على الأسواق والاقتصاد الأمريكي ككل.
ووفقاً لما نشرته وكالة “أسوشيتد برس”، ورصده وترجمه موقع “يمن إيكو”، فإن مذكرات الاستدعاء التي وصلت إلى الاحتياطي الفيدرالي تتعلق بتكاليف تجديد مبانيه، وعلى رأسها مقره الرئيسي في واشنطن، والتي بلغت نحو 2.5 مليار دولار، غير أن جوهر الأزمة يتجاوز ملف الإنشاءات إلى مصير استقلال السياسة النقدية وتوازن السلطات داخل الحكومة الفيدرالية، في وقت تتزايد الضغوط السياسية على قرارات أسعار الفائدة، حسب الوكالة.
وفي أول رد علني حاد، قال باول في مقطع فيديو نُشر مساء الأحد: “لقد أديت واجباتي بدون خوف أو محاباة سياسية، مركزاً فقط على مهمتنا المتمثلة في استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف. الخدمة العامة تتطلب أحياناً الثبات في وجه التهديدات”، معتبراً أن مذكرات الاستدعاء ليست سوى “ذريعة” لإجبار الاحتياطي الفيدرالي على خفض سعر الفائدة الرئيسي قصير الأجل.
ويأتي هذا التصعيد في ظل خلاف جوهري بين الطرفين حول التضخم، إذ يؤكد باول أن التضخم لا يزال مرتفعاً، متأثراً بتداعيات الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، ما يستدعي الحذر في خفض أسعار الفائدة، بينما يصر ترامب على أن التضخم “لم يعد مصدر قلق” وأن الاقتصاد بحاجة إلى خفض كبير وسريع للفائدة لدعم النمو.
وفي مقابل ذلك، لم تُخفِ إدارة ترامب نيتها المضي قدماً في التصعيد، حيث قال كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني بالبيت الأبيض وأحد أبرز المرشحين لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي- تعليقاً على احتمال بقاء باول محافظاً في المجلس حتى 2028-: “لم أتحدث مع جاي عن ذلك”، في إشارة إلى حالة الغموض التي تحيط بمستقبل قيادة البنك المركزي.
وأثار الهجوم العلني قلقاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، إذ أعرب عضوان جمهوريان في مجلس الشيوخ عن استيائهما من مذكرات الاستدعاء، بينما قال السيناتور كيفن كرامر إنه لا يعتقد أن باول “مجرم”، معرباً عن أمله في أن “يتم إنهاء هذا التحقيق الجنائي بسرعة”، في وقت تراجعت أسواق الأسهم عقب تصريحات باول.
وفي موقف لافت، أصدرت مجموعة من رؤساء الاحتياطي الفيدرالي السابقين وكبار الاقتصاديين من الحزبين بياناً مشتركاً حذرت فيه من خطورة ما يجري، معتبرة أن الإجراءات القانونية التي يتخذها البيت الأبيض تمثل “محاولة غير مسبوقة لاستخدام الهجمات القضائية لتقويض استقلالية البنك المركزي”.
وأضاف البيان: “هكذا تُصاغ السياسة النقدية في الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة، ما يؤدي إلى عواقب وخيمة على التضخم وأداء الاقتصادات.. لا مكان لهذا النهج في الولايات المتحدة”.
ووقّع البيان كل من بن برنانكي، جانيت يلين، وآلان غرينسبان، إلى جانب وزيري الخزانة السابقين هنري بولسون وروبرت روبين، في رسالة قوية تعكس إجماعاً نادراً على أن استقلال الاحتياطي الفيدرالي يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي الأمريكي، في وقت واصل ترامب هجومه العلني قائلاً عن باول: “إنه رجل غير كفؤ للغاية.. وعلى الأرجح سنرفع دعوى قضائية ضده”، ما ينذر بمواجهة قد تعيد رسم حدود السياسة والاقتصاد في الولايات المتحدة.
وعلى إيقاع الأزمة القانوني بين ترامب وباول، تراجع الدولار-اليوم الإثنين- مقابل اليورو والفرنك السويسري والين وغيرها من العملات النظيرة، لينخفض مؤشر الدولار- الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من 6 عملات- في أحدث تعاملات اليوم بنسبة 0.29% إلى 98.84 نقطة، لينهي سلسلة مكاسب استمرت خمسة أيام.
وشهدت أسواق الطاقة والمعادن، اليوم الإثنين، موجة ارتفاعات لافتة، مع صعود أسعار النفط مدفوعة بتنامي الطلب التحوطي، فيما لامست المعادن النفيسة مستويات تاريخية جديدة، على إيقاع تصاعد المخاوف من تداعيات الأزمة القانونية بين الرئيس ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي. وسط قلق المستثمرين من اهتزاز استقلال السياسة النقدية الأمريكية، وتزايد الضبابية حول مسار أسعار الفائدة والدولار، ما عزز الإقبال على الأصول الآمنة ورفع كلفة المخاطر في الأسواق العالمية.

