يمن إيكو|قصة خبرية:
في زوايا النسيان وغبار الإهمال والتجاهل، تختبئ قصص عظماء لم ينصفهم الزمان ولا المكان، من بينهم المخترع اليمني محمد علي العفيفي، الذي خطّ اسمه في سجلات العبقرية رغم كل ما واجهه من معوقات مادية وإدارية وتهميش، خصوصاً من الجانب الرسمي، هو كما أطلق عليه: “أديسون اليمن” بحق، رجل سبق عصره بابتكارات مذهلة، واختراعات شكلت أساساً لتقنيات تستخدم اليوم في جميع أنحاء العالم، لكن الحظ لم يكن حليفه ولم يحتضنه النظام اليمني السابق ويتبنى مشاريع اختراعاته العظيمة، فسُرقت أفكاره، وتجاهلته المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، لكنه رغم كل ذلك بقي وفياً لبلده.
مخترع “الأوتوكيو” قبل 45 عاماً
من أبرز اختراعات العفيفي جهاز “الأوتوكيو”، المعروف اليوم باسم “شاشة قراءة الأخبار” التي يستخدمها مذيعو النشرات في القنوات العالمية، وما لا يعرفه كثيرون أن هذا الجهاز كان أول اختراعاته، حيث صممه قبل أكثر من 45 عاماً أثناء دراسته في سويسرا في السبعينيات، ونال عليه براءة اختراع، وكان أول جهاز من نوعه في العالم، سابقاً بذلك شركات عالمية كبرى.
ورغم أهمية الجهاز وانتشاره في كل المحطات التلفزيونية، لم ينل العفيفي منه إلا الوجع، إذ لم يُسجل باسمه دولياً، وسُرقت فكرته كما سُرقت غيرها، نتيجة عدم قدرة اليمن حينها على حماية حقوق مخترعيها وعدم احتضانها لهم رسمياً، وبسبب عدم عضويتها في المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO.
اختراعات رائدة.. وسرقة دولية
لم يقتصر إبداع العفيفي على جهاز “الأوتوكيو”، فلديه 31 اختراعاً، لم يسجل منها سوى أربعة فقط، بينما تعرضت البقية للسرقة أو الإهمال.
من أبرز ما سُرق من اختراعات العفيفي:
جهاز التعرف على الروائح عبر التلفاز: اختراع مذهل يُمكّن المشاهد من شم الروائح المنبعثة من البرامج التلفزيونية، مثل رائحة الطعام أو العطور، اخترعه العفيفي عام 2000، لكن شركة يابانية وأخرى كورية سرقتاه منه أثناء مشاركته في معرض اختراعات بدبي، ولم تتمكن أيّ من الشركتين من إكمال المشروع، لأن الجهاز الأصلي بقي في صنعاء.
جهاز الحماية من أشعة الكاثود: لحماية المشاهدين من أضرار الأشعة المنبعثة من التلفاز، حاول العفيفي تسجيله، لكن الدولة آنذاك رفضت تمويله بـ5500 دولار، مفضلة توجيه المبلغ لعلاج مريض، فتخلى العفيفي عن هذا الحلم بدافع إنساني، على أمل أن يربح لاحقاً ما ينقذ آلاف المرضى، لكن الحلم ضاع والاختراع تعرض للسرقة أيضاً.
اللوحة الإعلانية الضوئية: فكرة فريدة تمثلت في عرض الإعلانات المضيئة في السماء، على ارتفاع 4 كيلومترات، لتُشاهد فوق العواصم التجارية، سجلها العفيفي، لكن شركةً روسية طُورت الفكرة لاحقاً عبر الأقمار الصناعية، بدون الرجوع إلى العفيفي.
عرضت عليه الدول.. ورفض الرحيل
كثير من العقول اليمنية هاجرت بحثاً عن الفرص، لكن محمد العفيفي ظل ثابتاً، رفض عروض عمل من سويسرا ودول أخرى، وآثر البقاء في وطنه رغم قسوة الظروف، وكان يقول بفخر: “أنا سعيد في بلدي… ورفضت كل العروض رغم المغريات”.
بين عبقرية الفرد وغياب الدولة
تكشف قصة العفيفي عن فشل الدولة اليمنية في احتضان عقولها، طيلة العقود الماضية، فبينما يجني المخترع في الغرب الثراء والتقدير، وجد العفيفي في بلاده التعاسة والإهمال، وفوق ذلك فقد أنفق أمواله الخاصة على اختراعاته، وكان بإمكانه أن يثرى، لكنه اختار أن يخدم العلم، باع بعض المخترعين اليمنيين منازلهم لتحقيق أفكارهم، فيما بقيت أفكار آخرين حبيسة عقولهم، وفي هذا السياق قال العفيفي: “أنفقت أموالاً كانت كفيلة أن تعيش أسرتي كأمراء، لكني سخرتُها للاختراع”.
من هو محمد علي العفيفي؟
الولادة: 1949 – عزلة هجرة بني العباس، مديرية ثلا، محافظة عمران.
التعليم:
معهد الدراسات العالية بالكويت – إصلاح الأجهزة الإلكترونية (1974).
كلية ماركوني ببريطانيا – هندسة استوديوهات مرئية (1979).
دراسات عليا في سويسرا وألمانيا.
الوظيفة: أستاذ مساعد بكلية الهندسة – جامعة صنعاء.
يُجسد محمد العفيفي صورة المخترع العربي المكافح، الذي سبق العالم بعقله، لكن وجد نفسه غريباً في وطنه، اختراعاته ليست فقط إنجازات فردية، بل إرث علمي يعكس إمكانيات اليمنيين حين تتوفر لهم البيئة المناسبة، إن قصته دعوة صريحة لإعادة النظر في سياسات دعم الابتكار والملكية الفكرية في اليمن والدول النامية، لأن ما لا يُحتضن هنا.. قد يُسرق هناك.
التقدير والإجلال والرحمة والخلود لأديسون اليمن، الذي لو كان في دولة أخرى، لكان اسمه ضمن أعظم مخترعي العصر، لكن في البلاد العربية بشكل عام لا تتذكر الجهات الرسمية والمجتمع كذلك أبناءهم المميزين ويحتفون بهم إلا بعد موتهم.

