يمن إيكو|تقرير:
في حدث استحوذ على اهتمام الأسواق العالمية، انطلقت قمة بكين بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب وسط ترقب عالمي واسع، في لحظة توصف بأنها اختبار حقيقي لمسار الحرب التجارية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الدولي خلال العقد الأخير، وأججها الرئيس الأكثر جنوناً في تاريخ أمريكا دونالد ترامب بحربه الجمركية المفتوحة على اقتصادات العالم وبالأخص الاقتصاد الصيني المنافس الذي بدا مهدداً لهيمنة القطب الواحد (أمريكا).
وخلال افتتاح القمة- التي شغلت وسائل الإعلام العالمية بمجيئها بعد سنوات من التوترات التجارية- أكد شي أن البلدين يجب أن يكونا “شريكين لا خصمين”، في إشارة إلى محاولة تهدئة أكبر مواجهة اقتصادية في العالم، بينما تحدث ترامب عن إمكانية أن تصبح العلاقات “أفضل من أي وقت مضى”، ما عكس لغة سياسية أكثر براغماتية مدفوعة بضغط الأسواق والشركات الكبرى.
على المستوى التاريخي، مرت العلاقات التجارية الصينية الأمريكية بمحطات مفصلية بدأت بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، ثم تصاعد الرسوم الجمركية في 2018، وصولاً إلى مرحلة القيود التكنولوجية والعقوبات المتبادلة التي خفضت التجارة الثنائية من 690 مليار دولار في 2022 إلى نحو 414.7 مليار دولار في 2025، لكنها ظلت تتحرك بمعدل يتجاوز مليار دولار يومياً.
ويمثل البلدان معاً نحو 42.8% من الناتج العالمي، إذ يبلغ اقتصاد الولايات المتحدة قرابة 28.75 تريليون دولار مقابل 18.74 تريليون دولار للصين، ما يجعل أي توتر بينهما عاملاً مباشراً في التضخم العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والتكنولوجيا.
وخلال مجريات القمة، برز ملف الطاقة بقوة، إذ رجّح مسؤولون أمريكيون عودة تدفقات النفط إلى الصين بعد توقفها منذ مايو 2025 بسبب رسوم جمركية فرضها ترامب على الصين في أبريل 2025م بنسبة 20%، ما جعل الصين توقف وارداتها من النفط الأمريكي بعد شهر من القرار، ما يجعل إلغاء الرسوم شرطاً أساسياً لاستئناف التدفقات وتقليل اعتماد بكين على إمدادات الطاقة من الخليج عبر مضيق هرمز.
يذكر أن التدفقات النفطية الأمريكية إلى الصين، كانت قد بلغت ذروتها عند 359 ألف برميل يومياً في 2020، قبل أن تقلصه الحروب التجارية، إلى 193 ألف برميل يومياً بقيمة نحو 6 مليارات دولار في 2024م.
وتتفوق الصين إنتاجياً بامتلاكها مركز الثقل الصناعي العالمي؛ فهي تستحوذ على 85% من طاقة تصنيع البطاريات عالمياً، و65% من تكرير الليثيوم، وأكثر من 90% من الغرافيت، إضافة إلى كونها المورد الأكبر للإلكترونيات والمكونات الصناعية منخفضة التكلفة التي تعتمد عليها الصناعات الأمريكية نفسها.
مقابل هذا التفوق الطبيعي (الموارد) والإنتاجي والصناعي، تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق نوعي في الاقتصاد المعرفي والمالي، إذ تقود قطاعات الرقائق المتقدمة والبرمجيات والخدمات المالية، وتحقق فائضاً في تجارة الخدمات مع الصين بلغ 33.2 مليار دولار، كما تبقى مركز الابتكار العالمي في الذكاء الاصطناعي ورأس المال الاستثماري.
لكن التفوق الأمريكي المشار إليه كان مركز ثقل واضحاً، قبل أن تمضي الصين بخطى متسارعة خلال السنوات الأخيرة لتنافس أمريكا في استخراج المعادن النادرة وصناعة الرقائق أو أشباه الموصولات، الأمر الذي دفع واشنطن في 2024 باتجاه إضعاف قدرة الصين على إنتاج الرقائق المتقدمة، عبر إعلان قيود شملت 24 نوعاً من معدات تصنيع أشباه الموصلات، و3 أنواع من أدوات البرمجيات، وذواكر النطاق الترددي العالي، مع إضافة 140 كياناً (شركة أو منظمة أو جمعية) إلى قائمة القيود.
أمام هذا التاريخ التجاري والحروب المرتبطة بدت الصين خلال النقاشات بين الرئيسين شي وترمب على مستوى عالٍ من الحذر، إذ ربط شي تعهده بفتح الأسواق الصينية أمام الشركات الأمريكية، وكذلك تطور العلاقات الثنائية بين البلدين، بتخلي واشنطن عن التدخل في شؤون تايوان التي بدت محوراً رئيساً في أجندة القمة إلى جانب ملفات أمن الطاقة والعناصر الأرضية النادرة ومضيق هرمز، وهي قضايا تكشف أن الصراع لم يعد جمركياً فقط بل تحول إلى تنافس على السيطرة على سلاسل المستقبل: الطاقة النظيفة، الذكاء الاصطناعي، والمعادن الاستراتيجية.
ورغم نبرة التفاؤل، يتوقع محللون أن تنتج القمة تهدئة تكتيكية لا نهاية للصراع، فالتشابك الاقتصادي العميق يجعل فك الارتباط مستحيلاً، بينما يدفع التنافس الجيوسياسي الطرفين إلى إبقاء الحرب التجارية “جمراً تحت الرماد” بانتظار الجولة التالية من إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.

