يمن إيكو|تقرير:
تتفاقم حدة الصراع على الموارد النفطية في حضرموت، مع التحولات الميدانية المتسارعة حول قطاعات المسيلة ومنشآت بترومسيلة، ما يضع نفط المحافظة على صفيح ساخن، مقوضاً خطط الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، إذ أدّت التطورات الأخيرة في حضرموت إلى تعطيل البرنامج الحكومي المرتبط بشروط صندوق النقد الدولي، في مشهد يكشف اتساع رقعة الصراع الإقليمي (السعودي الإماراتي) بأدوات محلية على أهم مورد للطاقة في اليمن.
وخلال اليومين الماضيين، تصاعدت حدّة المواجهات المسلحة في حضرموت النفطية، بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، وحلف قبائل حضرموت المدعوم سعودياً، على إدارة حقول المسيلة ومنشآت بترومسيلة، في تطور يعيد الحقول إلى واجهة المشهد الاقتصادي بعد توقف الإنتاج وتذبذب عمليات التشغيل، وفقاً لما نشره موقع “العربي الجديد”.
وتتركز التطورات حول قطاعات المسيلة (القلب الإنتاجي الأهم في اليمن)، حيث أفضت سيطرة قوات الانتقالي على سيئون ووادي حضرموت إلى غموض واسع بشأن مصير المنشآت النفطية وإدارتها، بينما تواصل قوات حلف قبائل حضرموت– التي تُحكِم وجودها في بترومسيلة منذ 29 نوفمبر المنصرم– رفض أي ترتيبات لا تمنح المجتمع المحلي دوراً مباشراً في إدارة الموارد النفطية.
وبحسب “العربي الجديد”، دخلت وساطة محلية بقيادة المحافظ سالم الخنبشي في مفاوضات مكثفة مع حلف القبائل، وسط إصرار الأخير على شراكة فعلية في إدارة قطاع النفط الأكبر في البلاد، باعتباره حقاً اقتصادياً لأبناء المحافظة، في سياق تنافس داخلي وإقليمي ممتد منذ سنوات على حقول المسيلة.
وأكد محافظ حضرموت في تصريحات رسمية أن الأزمة في منشآت بترومسيلة تقترب من الحسم باتفاق يشمل خروج قوات القبائل وعودة الإنتاج وضخ الوقود لمحطات الكهرباء، غير أن الهجوم المفاجئ الذي أشار إليه حلف حضرموت– فجر الخميس 4 ديسمبر– أعاد مشهد التهدئة إلى نقطة الصفر.
وفي بيان جديد أصدره اليوم السبت، قال حلف قبائل حضرموت إن قوات المجلس الانتقالي شنّت هجوماً مباغتاً أثناء تنفيذ الحلف خطوات الانسحاب من محيط المنشآت النفطية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، محمّلاً الإمارات مسؤولية دعم القوات المهاجمة، وداعياً الرباعية الدولية إلى التدخل لوقف التصعيد حول منشآت الطاقة في حضرموت.
وكانت بترومسيلة قد أعلنت مطلع الأسبوع وقف الإنتاج والتكرير بالكامل في القطاع 14 بفعل تدهور الأوضاع الأمنية، وهو توقف انعكس مباشرة على منظومة الكهرباء في عدد من مناطق المحافظة، قبل أن تعلن الشركة الخميس استئناف التشغيل تدريجياً عقب تأمين الحقول، وبموجب اتفاق هدنة سارعت إلى الانهيار تحت تصعيد الانتقالي المدعوم من أبوظبي.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن حقول المسيلة تمثّل مركز الثقل المالي في اليمن، إذ تستحوذ حضرموت على 51% من الاحتياطي والإنتاج النفطي الوطني، تليها مأرب بـ32% وشبوة بـ17%، ما يجعل السيطرة على الحقول مسألة اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية، حسب التقارير.
ويرى خبراء اقتصاد أن حضرموت تحولت خلال السنوات العشر الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لصراع النفوذ الإقليمي، حيث تتقاطع الاستراتيجية الإماراتية والسعودية مع مشاريع محلية متنافسة، بينما تُستخدم الحقول والمنشآت كورقة ضغط لإعادة تشكيل موازين السيطرة على خطوط الطاقة.
وحسب الخبير النفطي عبد الغني جغمان، فإن أهمية بترومسيلة تتجاوز الإنتاج الخام، كونها ترتبط بمحطة كهرباء مركزية في عدن بطاقة 260 ميغاواط، وموقعها يجعلها محوراً سياسياً واقتصادياً بالغ الحساسية في مشهد هشّ يشهد تراجعاً كبيراً في قدرات الحكومة اليمنية على إدارة مواردها، ما يعني الفشل الكامل لمحاولات الحكومة توحيد الإيرادات.
وتكشف البيانات عن انحدار إنتاج بترومسيلة من 230 ألف برميل يومياً في ذروة 2002 إلى ما بين 55–65 ألف برميل قبل الحرب، ثم 35 ألف برميل فقط قبل توقف الصادرات في أكتوبر 2022، ما يفاقم المخاوف من مزيد من التراجع إذا استمر الصراع حول الحقول بدون تسوية تضمن استمرار التشغيل واستقرار الإيرادات، حسب تقرير “العربي الجديد”.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد الكسادي أن ما يجري في حضرموت ليس مجرد تجاذب محلي، بل صراع نفوذ ذو امتدادات إقليمية على أهم مصدر للطاقة في اليمن، مشدداً على ضرورة ضمان استفادة أكبر للمحافظة من عائداتها النفطية، في ظل هشاشة اقتصادية تشتد مع كل اضطراب حول الحقول.
خلاصة القول: إن هذه التطورات الميدانية لم تفشل فقط برنامج الحكومة اليمنية- المعترف بها دولياً- الموصول بتوحيد الإيرادات، بل ألغت الحلم تماماً، ما يعني إحراق آخر أوراقها الحاسمة في تدفق التمويلات الخارجية، المشروطة بتوحيد الإيرادات ورفع الدولار الجمركي وإحكام السيطرة المالية والنقدية على كامل الجغرافيا الواقعة- شكلياً- تحت سلطتها، وغيرها من الشروط الصارمة التي كان صندوق النقد الدولي قد فرضها- جبراً لا خياراً- على الحكومة في أكتوبر الماضي.

